الإمام علي الهادي (ع)

100%

النسب الشريف

 

الإسم المبارك:

   هو الإمام علي الهادي ابن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، من أهل بيت الرحمة، وشجرة النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعدن العلم، ومفاتيح الحكمة، وسلالة النبيين، وصفوة المرسلين، وعترة خيرة رب العالمين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

 

الكنية الشريفة: 

كنيته (: أبو الحسن، ويُعرف بأبي الحسن الثالث.

فإن (أبي الحسن الأول) هو الإمام موسى بن جعفر و(أبي الحسن الثاني) هو علي بن موسى الرضا)

وكان الإمام الهادي (يُعرف ـ كأبيه (كلٌ في زمانه ـ بابن الرضا)

 

الألقاب الطاهرة:

لقبه: الهادي، والنقي، والنجيب، والمرتضى، والعالم، والفقيه، والأمين، والمؤتمن، والطيب، والعسكري،

أما الهادي: فقد كان عَلَماً لـهداية الناس نحو الخير والفضيلة والتقوى، فلُقّب بالهادي.

وأما النقي: فقد كان معصوماً كآبائه الطاهرين ومنزّهاً عن كل عيب وذنب، ونقياً من كل دنس، فلُقب بالنقي.

وأما النجيب: فقد كان (الكريم الحسيب، فلُقّب بالنجيب).

وأما المرتضى: فقد ارتضاه الله عز وجل ليكون حجةً على عباده، وخليفةً لرسوله (فلُقّب بالمرتضى).

وأما العالم: فقد كان أعلم أهل زمانه، وهو العالم بكتاب الله وسنة نبيه وشرائع دينه، بعلم لدُنّي وبما ورثه من جدّه رسول الله (وأبيه أمير المؤمنين) وآبائه الطاهرين (فلُقّب بالعالم)

وأما الفقيه: فقد كان فقيه عصره، العارف بالأحكام الواقعية من الحلال والحرام، فلُقّب بالفقيه.

وأما الأمين: فقد كان أميناً على شرع الله، فلُقّب بالأمين.

وأما المؤتمن: فقد كان مؤتمناً من قبل الباري عزوجل في إبلاغ رسالات الله، فلُقّب بالمؤتمن.

وأما الطيّب: فقد كان (طيباً وطاهراً من كل عيب ودنس، فلُقّب بالطيّب.

وأما العسكري: فقد كان تحت الإقامة الجبرية في ثكنة عسكرية بسامراء، فلُقّب بالعسكري، وعرف هو وابنه الإمام الحسن (بالعسكريين)

 

والد الإمام

هو: الإمام محمد بن علي الجواد، وهو التاسع من أئمة أهل البيت.

والدة الإمام 

هي: سمانة المغربية، وهي أم ولد، وكانت من المؤمنات الصالحات، وكانت كثيرة العبادة وشديدة التقوى ومتحلية بالفضائل والمكارم.

وقد جيء بها من بلاد المغرب،

 

الولادة المباركة

وُلد الإمام علي الهادي يوم الجمعة في الثاني من شهر رجب سنة ٢١٢ هجرية، وقيل: ٢١٤ هـ، في المدينة المنورة.

هذا على ما ذكره جمع من المؤرخين، ويؤيده الدعاء المأثور في شهر رجب عن الناحية المقدسة على يد الشيخ الجليل أبي القاسم الحسين بن روح وهو: 

(اللهم إني أسألك بالمولودَين في رجب: محمد بن علي الثاني وابنه علي بن محمد المنتجب، وأتقرّبُ بهما إليك خيرَ القُرَب)

وقال الكليني في (الكافي)

إنه وُلد منتصف ذي الحجة ٢١٢ هـ، قال: وروي أنه وُلد في رجب سنة ٢١٤هـ.

وفي (كشف الغمة): 

أما مولده (ففي رجب من سنة مائتين وأربع عشرة للهجرة)

وقال الشيخ المفيد: 

كان مولده بصريا من مدينة الرسول (للنصف من ذي الحجة سنة ٢١٢هـ)

وفي (مناقب ابن شهر آشوب): 

إن صريا قرية أسسها الإمام موسى بن جعفر على ثلاثة أميال من المدينة

 

النشأة الطاهرة

نشأ الإمام علي الهادي في بيت النور والعلم، ومنبع الهداية، ومركز الإمامة، وأهل بيت الوحي، ذلك هو بيت رسول الله الرفيع الذي أذهب الله عن أهله الرجس وجعلهم مطهرين من الدنس، معصومين من كل ذنب، مؤيدين بروح القدس، أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وأعلام التقى، وذوي النُهى، وأولي الحِجى، وكهف الورى، ورثة الأنبياء، والمثل الأعلى، والدعوة الحسنى، والحجة على أهل الدنيا، والآخرة والأولى.

وتربى في حجر أبيه الإمام محمد بن علي الجواد ست أو ثمان سنين، وبعده كانت مدة إمامته ثلاثاً وثلاثين سنة.

 

النص على الإمامة

   الإمام علي الهادي هو الإمام العاشر من أئمة أهل البيت الذين نص على إمامتهم رسولُ الله واحداً بعد واحد، كما نص على إمامته أبوه الإمام محمد بن علي الجواد ومَن قبله من الأئمة

وهناك روايات عديدة أكدت على أن الأئمة اثني عشر، ولا يكون ذلك إلاّ عند أهل البيت ومنها ما دل على أن الأئمة من ذرية الحسين تسعة

 

النصوص العامة

عن حماد بن عيسى، عن أبيه، عن الصادق قال: قال سلمان الفارسي (رحمة الله عليه): رأيت الحسين بن علي (صلوات الله عليه) في حجر النبي (وهو يقبّل عينيه ويلثم شفتيه)، ويقول: (أنت سيد بن سيد أبو سادة، أنت حجة بن حجة أبو حجج، أنت الإمام بن الإمام أبو الأئمة التسعة من صلبك، تاسعهم قائمهم).

وعن إبراهيم بن مهزم، عن أبيه، عن أبي عبد الله عن آبائه عن علي، قال: قال رسول الله: (اثنا عشر من أهل بيتي أعطاهم الله فهمي وعلمي وحكمتي، وخلقهم من طينتي، فويل للمتكبرين عليهم بعدي القاطعين فيهم صلتي، ما لـهم لا أنالهم الله شفاعتي).

 

النصوص الخاصة:

وهناك الكثير من النصوص الخاصة التي نصت على إمامة الإمام علي الهادي:

عن الصقر بن أبي دلف، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضا يقول: (إن الإمام بعدي ابني علي، أمره أمري، وقولـه قولي، وطاعته طاعتي، والإمامة بعده في ابنه الحسن)

وعن إسماعيل بن مهران، قال: لما خرج أبو جعفر من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خرجتيه، قلت لـه عند خروجه: جُعلت فداك، إني أخاف عليك من هذا الوجه، فإلى من الأمر بعدك؟ قال: فكرّ بوجهه إليَّ ضاحكاً وقال: (ليس حيث ظننت في هذه السنة) 

فلما استدعى به إلى المعتصم صرت إليه فقلت لـه: جعلت فداك، أنت خارج فإلى من هذا الأمر من بعدك؟ 

فبكى (حتى خضبت لحيته ثم التفت إليَّ فقال: (في هذه يخاف عليَّ، الأمر من بعدي إلى ابني علي)

قال العلامة المجلسي (والأخبار في هذا الباب كثيرة جداً إن عملنا على إثباتها طال الكتاب، وفي إجماع العصابة على إمامة أبي الحسن وعدم من يدعيها سواه في وقته ممن يلتمس الأمر فيه غنى عن إيراد الأخبار بالنصوص على التفصيل)

 

علم الإمام 

كان الإمام الهادي عليه السلام أعلم أهل زمانه، فهو الأعلم بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، وبجميع المسائل في مختلف العلوم، وذلك بالعلم اللدُنّي الذي منحه الله تعالى، وبما ورثه من آبائه الطاهرين عن رسول الله صلى الله عليه واله 

وقد روي عنه (من علوم القرآن والفقه والأخلاق وعلم التوحيد ومعرفة الباري عز وجل، وغيرها الكثير).

كما كان (يجيب على مختلف الأسئلة وأنواع العلوم)

وقد اعترف بعلمه حتى أعداؤه من أعوان المتوكل وخدمه، كما عن (المناقب): من أن حاجب المتوكل رجع إلى الإمام الهادي (فيما نذره المتوكل واختلف الفقهاء في تحديده (

 

 

من علوم القرآن

   أهل البيت ومنهم الإمام علي الهادي هم الذين بلغهم القرآن وعندهم علومه، فقاموا بالإنذار كما أنذر رسول الله به.

عن أبي عبد الله في قوله تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيّ هَـَذَا الْقُرْآنُ لاُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ (من بلغ أن يكون إماماً من آل محمد فهو ينذر بالقرآن كما أنذر به رسول الله 

وقال أبو جعفر: (إنّ من علم ما أوتينا تفسير القرآن وأحكامه وعلم تغيير الزمان وحدثانه.

وعن أبي عبد الله قال: "والله إني لأعلم كتاب الله من أولـه إلى آخره، كأنه في كفي، فيه خبر السماء وخبر الأرض، وخبر ما كان وخبر ما هو كائن، قال الله عزوجل: فيه تبيان كل شيء.

وهذه بعض ما ورد عن الإمام الهادي (عليه السلام) في تفسير القرآن وعلومه:

 

آصف بن برخيا

  أملى الإمام الهادي (عليه السلام) في جواب مسائل يحيى بن أكثم، من دون أن يقرأ مسائله: (سألت عن قول الله تعالى: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ) فهو آصف بن برخيا، ولم يعجز سليمان عن معرفة ما عرف آصف، ولكنه أحب أن يعرف أمته من الجن والإنس أنه الحجة من بعده، وذلك من علم سليمان أودعه آصف بأمر الله ففهمه ذلك، لئلا يختلف في إمامته وولايته من بعده، ولتأكيد الحجة على الخلق

 

سجود يعقوب 

وكتب الإمام علي الهادي في أجوبة ابن أكثم:

وأما سجود يعقوب لولده، فإن السجود لم يكن ليوسف وإنما كان ذلك من يعقوب وولده طاعةً لله تعالى وتحيةً ليوسف، كما أن السجود من الملائكة لم يكن لآدم فسجود يعقوب وولده ويوسف معهم شكراً لله تعالى باجتماع الشمل، ألم تر أنه يقول في شكره في ذلك الوقت: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ)

معاجز الإمام وكراماته 

 

عسكر الإمام 

ورد أن المتوكل العباسي أراد أن يخيف الإمام الهادي (عليه السلام) من جنوده وعسكره، وكان لـه من الجند تسعون ألف مقاتل، فأمر كلَ واحد منهم أن يملأ مخلاة فرسه من التراب ويلقيه في الصحراء، فأصبح تلاً كبيراً، وقد بقي شيء من هذا التل إلى يومنا هذا ويسمى بتل العليج بقرب الملوية في سامراء.

فلما أصبح التل كالجبل، صعده المتوكل وأحضر الإمام (عليه السلام) لينظر من التل على كثرة جنوده، وقال للإمام: " هؤلاء جنودي وهذه قدرتي! "

فقال لـه الإمام: "أتريد أن ترى جنودي وعسكري؟".

قال: أو لديك جنود، فمن هم؟

فدعا الإمام (وأشار بيده، ثم قال للحاكم: انظر، وإذا بالملائكة المدججين بالسلاح قد ملؤوا ما بين السماء والأرض، وما بين المشرق والمغرب، فوقع الحكام العباسي مغشياً عليه، لشدة خوفه.

فلما أفاق الحاكم، قال لـه الإمام: (إنه لا شغل لي بدنياكم، وأنا مشغول بآخرتي، فلا تهتم بما تزعم، أي إذا تزعم بأنني أريد الخروج عليك، فاعلم بأنه لا يكون ذلك).

 

عندما يُستخف بأولياء الله

   عن زرافة حاجب المتوكل، قال: وقع مشعبذ هندي يلعب بالحقة لم ير مثله وكان المتوكل لعاباً، فأراد أن يخجل علياً الهادي فقال المتوكل: إن أخجلته فلك ألف دينار.

قال: فتقدم أن يخبز رقاق خفاف تجعل على المائدة وأنا إلى جنبه، ففعل، وحضر علي (عليه السلام) للطعام، وجعل لـه مسورة عليها صورة أسد وجلس اللاعب إلى جنب المسورة، فمد علي (عليه السلام) يده إلى رقاقة فطيرها اللاعب كذا ثلاث مرات، فتضاحكوا، فضرب علي (عليه السلام) يده على تلك الصورة وقال: «خذه»! فوثبت الصورة من المسورة وابتلعت الرجل وعادت إلى المسورة! فتحيروا، ونهض علي بن محمد (عليه السلام) فقال لـه المتوكل: سألتك بالله إلاّ جلست ورددته. فقال: «والله لا يرى بعدها، أتسلط أعداء الله على أوليائه»، وخرج من عنده ولم يُرَ الرجل بعدها.

 

التكلم بالهندية

عن أبي هاشم الجعفري، قال: دخلت على أبي الحسن (فكلمني بالهندية، فبهت فلم أحسن أن أرد عليه، وكان بين يديه ركوة ملأى حصى، فتناول حصاة واحدة ووضعها في فيه فمصها ثلاثاً، ثم رمى بها إليَّ فوضعتها في فمي فو الله ما برحت من عنده حتى تكلمت بثلاثة وسبعين لساناً أولها الهندية.

 

من أصحاب الإمام (ابن السكيت)

يعقوب بن إسحاق الأهوازي، المعروف بابن السكيت، من أئمة اللغة، وعارف بالعربية والشعر، لـه عدة مصنفات منها: إصلاح المنطق.

كان من خواص أصحاب الإمام الهادي (وأبيه الإمام الجواد).

قتله المتوكل لتشيعه ودفاعه عن أهل البيت، فإنه كان مؤدب المعتز والمؤيد أولاد المتوكل، فسأله المتوكل يوماً: هل المعتز والمؤيد ولداي أفضل عندك أم الحسن والحسين؟

فقال ابن السكيت ـ بعد ما ذكر شيئاً من فضائل الحسنين: والله إن قنبر خادم علي أفضل منك ومن ولديك، فأمر المتوكل بقطع لسان ابن السكيت من قفاه، وكان ذلك سبباً لموته.

وسمي ابن السكيت لكثرة سكوته، حيث كان لا يحق لأحد أن يتكلم من جراء الكبت والإرهاب الذي كان يمارسه الطغاة، كما في بعض التواريخ.

وفي (رجال ابن داود) تحت الرقم ١٦٩٤:

يعقوب بن إسحاق بن السكيت، أبو يوسف صاحب (إصلاح المنطق) كان متقدماً عند أبي جعفر الثاني وأبي الحسن (وكانا يختصانه، قتله المتوكل

 

السيد عبد العظيم الحسني

ومن أصحاب الإمام الهادي جناب السيد عبد العظيم الحسني وهو من ذراري الإمام الحسن المجتبى (عليه الصلاة والسلام).

قال المحقق الداماد في (كتاب الرواشح) في ترجمته: وفي فضل زيارته روايات متضافرة، فقد ورد: (من زار قبره وجبت لـه الجنة).

وفي (مستدرك الوسائل) عن حواشي الخلاصة للشهيد الثاني: هذا عبد العظيم المدفون في مسجد الشجرة في الري، وفيه يـُزار، وقد نص على زيارته الإمام علي بن موسى الرضا قال: (من زار قبره وجبت لـه الجنة).

وقد ورد: (أن من زاره وجبت لـه الجنة) (*).

وروى ابن بابويه، وابن قولويه بسند معتبر، عن محمد بن يحيى، عمن دخل على أبي الحسن علي بن محمد الهادي (من أهل الري، قال: دخلت على أبي الحسن العسكري فقال لي: أين كنت؟ 

فقلت: زرت الحسين (. فقال: (أما إنك لو زرت قبر عبد العظيم عندكم لكنت كمن زار الحسين بن علي هذا والله دين الله.

روى الشيخ الصدوق وغيره عن السيد عبد العظيم الحسني قال: دخلت على سيدي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فلما بصر بي قال لي: (مرحباً بك يا أبا القاسم، أنت ولينا حقاً).

قال: فقلت لـه: يا ابن رسول الله، إني أريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضياً ثبتت عليه حتى ألقى الله عزوجل.

فقال (: (هاتها أبا القاسم).

فقلت: إني أقول: إن الله تبارك وتعالى واحد، ليس كمثله شيء، خارج من الحدّين، حدّ الإبطال وحدّ التشبيه، وإنه ليس بجسم ولا صورة، ولا عرض ولا جوهر، بل هو مجسِّم الأجسام، ومصوِّر الصور، وخالق الأعراض والجواهر، وربّ كل شيء ومالكه، وجاعله ومحدّثه. وأن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين، فلا نبي بعده إلى يوم القيامة. وأقول: إن الإمام والخليفة وولي الأمر بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم أنت يا مولاي.

فقال: ومن بعدي الحسن ابني، فكيف للناس بالخلف من بعده

قال: فقلت: وكيف ذلك يا مولاي؟

قال: (لأنه لا يُرى شخصه، ولا يحل ذكره باسمه، حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً).

قال: فقلت: أقررتُ وأقول: إن وليهم ولي الله، وعدوهم عدو الله، وطاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله. وأقول: إن المعراج حق، والمسائلة في القبر حق، وإن الجنة حق، والنار حق، والصراط حق، والميزان حق، وإن الساعة آتية لا ريب فيها، وإن الله يبعث من في القبور. وأقول: إن الفرائض الواجبة بعد الولاية: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

فقال علي بن محمد الهادي ـ: (يا أبا القاسم، هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده فاثبت عليه، ثبّتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة)

 

طغاة عصر الإمام 

عاشر الإمام علي الهادي (أسوأ طغاة العباسيين، وكان في أيام إمامته ـ وهي ثلاث وثلاثون سنة ـ بقية ملك المعتصم..

ثم ملك الواثق خمس سنين وسبعة أشهر..

ثم ملك المتوكل أربع عشرة سنة

ثم ملك ابنه المنتصر ستة أشهر..

ثم ملك المستعين وهو أحمد بن محمد بن المعتصم سنتين وتسعة أشهر..

ثم ملك المعتز وهو الزبير بن المتوكل ثماني سنين وستة أشهر..

وفي آخر ملكه استشهد ولي الله علي بن محمد الهادي (بالسم، ودفن في داره بسر من رأى.

وكان المتوكل العباسي حاقداً على الإمام وعلى أجداده الطاهرين حقداً شديداً، وهو الذي جاء بالإمام إلى سامراء من مدينة جده رسول الله؛ ليسكنه في العسكر تحت الإقامة الجبرية، وليكون الإمام مراقَباً في تصرفاته من قبل الحكومة. وليمنع الناس من الاتصال بالإمام والاستفادة من علومه، فإن المتوكل كان يخاف من مكانة الإمام بين الناس.

 

الشخوص إلى سامراء

   وُلد الإمام الهادي في المدينة المنورة وكان فيها إلى الثامنة من عمره الشريف، فلما استشهد والده الإمام الجواد بالمدينة، انتقلت الإمامة إليه وكان يعيش في مدينة جده رسول الله إلى زمن الطاغية المتوكل العباسي، حيث أمر جلاوزته بجلب الإمام إلى سامراء ليسكنه في منطقة العسكر، فيكون الإمام مراقباً ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً.

   قيل: إن من أسباب ذلك أن بريحة العباسي ـ وكان إمام الحرمين ـ كتب رسالة إلى المتوكل جاء فيها: أن لو كانت لك حاجة بمكة والمدينة، فأخرج علي بن محمد الهادي منها فإن الناس هنا رهن طاعته.

وكتب آخرون أيضاً للمتوكل بهذه المضامين، كان منهم عبد الله بن محمد والي المدينة وكان من النواصب وكان يؤذي الإمام كثيراً، فكتب رسالة مليئة بالكذب ضد الإمام الهادي، فغضب المتوكل

ولما أُخبر الإمام برسالة الوالي إلى المتوكل، كتب رسالة إلى المتوكل يبين فيها الصورة الحقيقية، وقال: إن والي المدينة يقوم بإيذائي وقد كتب لك كتاباً مليئاً بالكذب والافتراء.

ولكن المتوكل ـ مع علمه بصدق الإمام ـ كان يخاف من مكانة الإمام في المدينة وهو بين شيعته وأتباعه، فأراد جلب الإمام إلى سامراء، ومن جانب آخر كان لا يريد أن يثور عليه أحد عند ما يقوم بإيذاء الإمام، وإلاّ فإن إيذاء والي المدينة للإمام كان بأمر المتوكل، كما هو واضح.

  عند ذلك احتال المتوكل بعزل الوالي عبد الله بن محمد وتغيير منصبه، وجعل وال آخر للمدينة اسمه محمد بن فضل، ثم كتب كتاباً لطيفاً للإمام وهو يعتذر عما فعله الوالي، وأخبر بعزله ونصب محمد بن فضل مكانه، وأنه أمره بإكرام الإمام وإعزازه.

هذا كله لمكانة الإمام بين الناس، ومخافة المتوكل من ثورة العلويين ومن أشبه ضده.

ثم كتب المتوكل كتاباً آخر أرسله بيد إبراهيم بن عباس للإمام قال فيه: إنه مشتاق كثيراً إلى رؤية الإمام، وطلب من الإمام أن يخرج إلى سامراء بمن أحب من ذويه وأهل بيته، وقال: قد أرسلت إليكم يحيى بن هرثمة ليخدمكم في الطريق، وكانت هذه الرسالة في جمادى الآخرة من سنة مائتين وثلاثة وأربعين هجرية.

   وفي الواقع كان المتوكل أرسل ابن هرثمة لجلب الإمام فلما رأى الإمام أنه مضطر لذلك، خرج من مدينة جدّه رسول الله كُرهاً، بعد ما ودّع الرسول، والصديقة البتول، وأجداده الطاهرين في البقيع نحو سامراء.

فلما وصل الإمام إلى سامراء واطمئن المتوكل أن الإمام أصبح في قبضته ـ بحسب الظاهر ـ غيّر سلوكه الظاهري وأبرز حقده على أهل بيت رسول الله، فأنزل الإمام في خان الصعاليك وهو مكان مخصص للفقراء والمساكين والغرباء ومن أشبه؛ وذلك لتحقير منزلة الإمام 

قال الشيخ المفيد في (الإرشاد): كان سبب شخوص أبي الحسن إلى سر من رأى أن عبد الله بن محمد كان يتولى الحرب والصلاة بمدينة الرسول فسعى بأبي الحسن إلى المتوكل وكان يقصده بالأذى (*). 

وقال المسعودي في (إثبات الوصية): إن بريحة صاحب الصلاة بالحرمين كتب إلى المتوكل: إن كان لك في الحرمين حاجة فاخرج علي بن محمد منها، فإنه قد دعا الناس إلى نفسه واتبعه خلق كثير. وتابع بريحة الكتب في هذا المعنى.

وقال سبط بن الجوزي في (تذكرة الخواص): قال علماء السير: إنما أشخصه المتوكل من المدينة إلى بغداد؛ لأن المتوكل كان يبغض علياً وذريته، فبلغه مقام علي الهادي بالمدينة وميل الناس إليه فخاف منه، فدعا يحيى بن هرثمة وقال: اذهب إلى المدينة وانظر في حاله وأشخصه إلينا.

قال المفيد (: وبلغ أبا الحسن سعاية عبد الله بن محمد به، فكتب إلى المتوكل يذكر تحامل عبد الله بن محمد عليه وكذبه فيما سعى به، فتقدم المتوكل بإجابته عن كتابه ودعائه فيه إلى حضور العسكر على جميل من الفعل والقول (*).

وقد مر أن المتوكل أمر جلاوزته بإخراج الإمام من مدينة رسول الله، ولكنه تظاهر بمثل هذا الكتاب اللطيف لكي لا يثور عليه أهل المدينة.

ومن هنا يُعلم بأن الإمام جُلب إلى سامراء ولم يهاجر إليها باختياره، روي عن المنصوري، عن عم أبيه، قال: قال يوماً الإمام علي بن محمد: يا أبا موسى، اُخرجت إلى سر من رأى كرهاً، ولو اُخرجت عنها اُخرجت كرهاً. 

قال: قلت: ولِمَ يا سيدي؟
قال: لطيب هوائها، وعذوبة مائها، وقلة دائها، ثم قال: تخرب سر من رأى حتى يكون فيها خان، وبقال للمارة، وعلامة تدارك خرابها تدارك العمارة في مشهدي

أقول: (أخرجت كرهاً)، أي: إن خروجي إلى سامراء وبقائي فيها وخروجي منها لو خرجت، فهو كره، مما يدل على أن الإمام تحت السيطرة الشديدة حتى لا يمكنه أن يختار البقاء والخروج.

 

شهادة علي بن محمّد الهادي

قال الشيخاني: واستشهد علي العسكري في آخر ملك المعتز بالسم

قال الطبري الإمامي: وكان مقامه مع أبيه ست سنين وخمسة أشهر، وعاش بعد أبيه ثلاثاً وثلاثين سنة وتسعة أشهر وكانت سنوات إمامته بقية ملك الواثق. ثم ملك المتوكل، ثم المستعين أحمد ثم المعتز وفي آخر ملكه استشهد ولي اللَّه، وقد كمل عمره أربعين سنة، وذلك في يوم الاثنين الثالث من رجب سنة أربع وخمسين ومائتين، وقيل لخمس من رجب سنة أربع وخمسين ودفن بسر من رأى في داره.

وقال الشيخ الطوسي: توفي لثلاث خلون من رجب

اقول: ان الاقوال في تحديد يوم الوفاة والسنة قد وقع فيها شيء من الاختلاف ولكن هناك شبه اتفاق وشهرة بين اوساط الموالين على ان الوفاة وقعت في يوم الاثنين الثالث من رجب سنة 254 والله العالمالنسب الشريف